أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
61
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
ثمّ نأخذ بالتوسّع شيئاً فشيئاً حتّى تستوعب هذه العمليّة العالم الإسلامي » « 1 » ) . وفي هذا الإطار طلب السيّد الصدر ( رحمة الله ) في يوم من الأيّام من تلامذته أنّ يعدّوا المسجّل لأنّه يريد أن يسجّل محاضرة حول مسؤوليّة عالم الدين ليستمعوا إليها « 2 » ، وكان هذا هو أسلوب السيّد الصدر ( رحمة الله ) في إيصال ما لديه إلى تلامذته ، إذ كان السيّد كاظم الحائري قد طلب منه بعد أن حضر درسه أن لا تقتصر علاقته مع طلّابه على العلاقة الدرسيّة ، فكم من أستاذ قام بتربية طلّابه من الناحية العلميّة ولكنّه لم يساهم في تربيتهم إسلاميّاً ، وحثّه على أن تتعدّى علاقته بهم ذلك . ومن حينها صار السيّد الصدر ( رحمة الله ) إذا أراد أن يوصل إليهم أمراً اختلى بنفسه وسجّل لهم ما لديه ثمّ استمعوا إليه ، إلى أن راح يلقي عليهم مطالبه مباشرةً مستغنياً عن المسجّل « 3 » . أمّا حول الوضع المعاش في الحوزة فيبدو أنّه سجّل كلمتين : أمّا الكلمة الأولى فقد جاء فيها : « أيّها الأعزّاء ! ! أريد أن أحدّثكم بحديثٍ يرتبط بالموضوع الذي نعيش لأجله ونحيا بأمله والسير في خطّه ، ونستعين بالمصاعب في طريق إنجازه وتحقيقه . أريد أن أحدّثكم بحديثٍ يرتبط بواقع عملنا بصفتنا مبلّغاً ومفكّراً في بناء هذه الحوزة ، لبناءٍ أفضل يرتبط مع أداء رسالتها الكبرى وممارسة عملها ومسؤوليّتها في الدعوة والتبليغ في أرجاء العالم الإسلامي . إنّ هناك أيّها الأعزّة اتّجاهين متناقضين سنجد لهما أمثلة وشواهد على طول الخطّ في التاريخ . أحد هذين الاتّجاهين يقوم على أساس قاعدة المصلحة الشخصيّة كأسلوب في ما يفعل ، وما يترك أصحاب هذا الاتّجاه يجعلون من مصلحتهم الشخصيّة مقياساً أعلى يميّزون به بين النافع والضارّ وما ينبغي وما لا ينبغي ، فيقدمون حيث توجد ، ويمنعون حيث لا يجدون مصلحة شخصيّة في الإقدام . وإذا أردنا أن نلخّص منطق هؤلاء في وضع هذا المقياس وما يستندون إليه من مبرّرات بجعل المصلحة الشخصيّة أساساً وقاعدةً للعمل والسلوك ، نستطيع أن نلخّص وجهة نظرهم بما يأتي : 1 - يقول هؤلاء المتديّنون : إنّ المتديّن بوصفه متديّناً ليس ملزماً من الشرع إلّا باجتناب المحرّمات الصريحة وإتيان الواجبات الصريحة وفي غير نطاق الواجب والمحرّم . ولنسمّي كلّ ما يخرج عن هذا النطاق بنطاق المباحات بالمعنى الأعمّ للإباحة « 4 » . في نطاق الإباحة بالمعنى الأعمّ يملك المتديّن حرّيّته وإرادته ، فله أن يترك وله أن يفعل ، وليس عليه حرجٌ على كلا التقديرين . إذاً فبإمكان هذا المتديّن أن يجعل من مصلحة الشخص ومن المصلحة الشخصيّة قاعدة للانطلاق في ما يفعل وما يترك وأساساً للسلوك ما دام ملتزماً بالأصل الموضوعي المفروض ، وهو اجتناب المخالفة في
--> ( 1 ) مقابلة مع السيّد محمّد الغروي ( * ) ( 2 ) مقابلة مع السيّد عبد الهادي الشاهرودي ( * ) ؛ وقد تأكّدنا من ذلك لأنّ السيّد الشاهرودي يتذكّر من تلك المحاضرة المثال الذي ضربه ( رحمه الله ) حول العالم الذي أوجب الخمس في النفط لأنّه معدن ( 3 ) مقابلة ( 1 ) مع السيّد كاظم الحائري ( * ) ( 4 ) للأصوليّين اصطلاحان للإباحة : أحدهما : الإباحة بالمعنى الأعمّ حيث تخلو من ملاك ملزم بالفعل أو الترك ، فتشمل المستحبّ والمكروه ، والآخر : الإباحة بالمعنى الأخص ، وهي التي ليس فيها ملاكٌ يدعو إلى الفعل أو الترك ولو دون الإلزام ، وهي بدورها تنقسم إلى اقتضائيّة وغير اقتضائيّة .